تفسير سورة الأحقاف -06- من قوله تعالى: { وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ، الآية: 21 إلى 26

للاستماع إلى الدرس

الدرس السادس من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الأحقاف، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1445هـ ، تفسير قوله تعالى:

وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) الَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)

الخميس 11 رمضان 1445هـ 

نص الدرس مكتوب:

الحمد لله مكرمنا بالتبيين على لسان عبده وحبيبه الأمين، مَن خصَّه بالقرآن والذكر الحكيم، وجعله أكرم هَادٍ إلى الصراط المستقيم. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على الداعي إليك، والدَّالِّ عليك، عبدك المصطفى سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وأهل ولائه ومحبَّتِهِ والاقتداء به، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك، هُدَاة الخَلْقِ ومركز عنايتك ورعايتك واصطفائك من بين البريات، وعلى آلهم وصحبهم، وملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين والصالحات، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد،،

 فإننا في نعمة اتصالنا بوحي إلهنا، وتأمُّلنا لكلام ربِّنا وخالقنا -جَلَّ جلاله- وصلنا في سورة الأحقاف إلى ذكر موطن الأحقاف موطن النبي هود -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبهم والأنبياء المرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم-

يقول الحقّ -جَلَّ جلاله-: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ ..(21)) أي: النبي هود (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ..) فهو أخوهم من حيث القبيلة والنَّسَب، واختَلف عن الكافرين منهم لكفرهم وله الإسلام. فدين الإسلام هو دين جميع الأنبياء، دين آدم عليه السلام، ودين أولاده، ومنهم الذي نُبِّئ شيث بن آدم، ودين إدريس عليه السلام، ودين نوح عليه السلام، ودين هود عليه السلام.. الإسلام دين جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم ومن تبعهم.

(وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ ..(21)) نَدَبَهُ الله تعالى إلى ذكره، كما نَصَّ على ذلك في كثير من الآيات فيما أَمَرَ بذكر عدد من أنبيائه وأصفيائه -جَلَّ جلاله-، يقول سبحانه وتعالى: 

  • (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) [مريم:16].
  • (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ) [مريم:41].
  • (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ) [مريم:51].
  • (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ) [مريم:54].
  • (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ) [مريم:56]. 

ويقول سبحانه وتعالى: 

  • (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص:17]، 
  • ويقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) [ص:41] .
  • ويقول تعالى: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ) [ص:45-84].

اذكر فلان.. اذكر فلان.. اذكر فلان؛ فذكر هؤلاء قُرْبَة، وذكر هؤلاء نور، وذكر هؤلاء صفاء، وذكر هؤلاء تَنْقِيّة عن الكدورات، وذكر هؤلاء زيادة في الإيمان (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود:120].

فيجب أن يحتلَّ ذكر الحقِّ تعالى ثم ذكر أنبيائه ورسوله -من قلوبنا- مكانهُ اللائق؛ لأن قلوب كثير من المسلمين تلَطَّخَت بالذِّكْر.. ربما مع الانبهار أو التعظيم للفجرة والفُسَّاق والكفار والأشرار، وضَعُفَ فيها ذكر الله بالتعظيم، وذكر الأنبياء والمرسلين، وذكر المقربين والصالحين. وهذا من الخَلَلِ والمرض الذي اُحتَلَّت به أراضي القلوب؛ ونَتَجَ عن ذلك أن تُحتَلَّ أراضي المسلمين على أيدي الكفار! وتيصرَّفوا فيها كما تصرفوا في قلوبهم، وأن يتسلَّطوا عليها كما تسلَّطوا على قلوبهم؛ فالجزاء من جنس العمل!

حَرَّرَ الله قلوب المسلمين مِن تسلُّط ذكر المُفسدين والمُجرمين؛ بالولاية، أو بالتعظيم، أو بالإنبهار، أو بالإكبار، فليس فيهم مَن يُكبَر، ولا فيهم مَن يُعَظَّم، ولا فيهم مَن يُوَالَى. 

  • (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة:55-56].
  • (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:24].

حقَّقنَا الله بحقائق الإيمان، وحرَّر قلوب المسلمين في المشارق والمغارب، وحَرَّر أراضيهم.

قال: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ ..(21)) وهذه قصَّته، وطَرَفٌ من قصته ملآن بالاعتبار والإدكار؛ فإنَّ فيه: تنبيه قلوب أُمَّتِك وإيقافهم على الحقيقة، وبيان الآثار لطاعتِنا ولمعصيتِنا، وللإيمان بنا وللكفرِ في أخبار هؤلاء. (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ..) ففي قصته اعتبار لأمّتك، ومنافع كثيرة في زيادة إيمانهم ويقينهم، وتطهير بواطنهم، وتنقية ضمائرهم، (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ) -النبي هود على نبينا وعليه السلام-.

(إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ..(21))، قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنه-: "الأحقاف: وادٍ بين عُمَان ومَهْرَة". وهكذا يقول قُتَادَة وجماعة من المفسرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومَن بعدهم عن وادي الأحقاف، يذكرونه ويربطونه باليمن وحضرموت، ويذكرون حواليه: مَهْرَة والشِّحْر وعُمَان، فهو الوادي بين هذه المناطق وهذه الأماكن، حيث كان قوم النبي هود -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام-.

(وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ..(21)) جمع حِقْفٍ: وهي رِمَالٌ مستطيلة مِعْوَجَّة في أطرافها، وهي أيضا جبال قد تكاثر عليها رَمْلٌ، أو نشأت خطوط في أعاليها. (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ..(21)) مَضَت وقاموا بمهماتهم في الحياة:

  • (مِن بَيْنِ يَدَيْهِ..) من قبله، كمثل آدم وشيث وإدريس ونوح ومَن بينهم من الأنبياء.
  • (وَمِنْ خَلْفِهِ..) من بعده، جاء صالح وأنبياء كثير إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف، ومَن بعدهم كثير..

(وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ..(21)) لهؤلاء البشر، ممن يصطفيهم الرَّب؛ ليُذَكِّروا الناس بالحقيقة. (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ..)، قال الله أرسلنا الرسل إلى بني آدم كثيرين (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر:24]. (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ..) وبماذا أنذر قومه؟ وبماذا مَن قبله ومن بعده يُنذِرُونَ بني آدم ويُنذرون أقوامهم؟ (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ..(21))؛ هذا المبدأ الحق الذي دعا إليه جميع الأنبياء بأمر ربِّهم، ونَابَ عنهم جميع الصادقين من أتباعهم، وكُلُّ ما خالف هذا فباطل في باطل في باطل، لا عاقبة له ولا نهاية له حَسَنة، ولا مصير لأهله إذا بلَغتهم هذه الدعوة فلم يقبلوها إلا النار.

فدعوة الحق بين بني آدم: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ..(21))؛ هكذا قال جميع الأنبياء، وهكذا جاء الرُّسُل، وحَمَل عنهم هذا المُخلِصُونَ الصادقون من أتباعهم، يبلّغون دعوة: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ)، لا تُستَعبَدوا للأهواء ولا للشهوات، ولا لزخرف في الدنيا، ولا لبعضكم البعض، اخضعوا لجلال الله الذي خَلَق، وللعبادة استحق، والذي أنعم ورَزَق، والذي إليه المرجع لأولكم وآخركم..

  • (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104]، 
  • (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) [الغاشية:25-26]، 
  • (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) [المؤمنون:115-116].

(أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ..(21)) أي: تحرّروا من الرِّقِّ لغير إلهكم، فمدارس الحُرِّيَّة الصحيحة الحقيقية هي مدارس الأنبياء. والعَجَب لإبليس وجنده؛ يدعون الناس لأن يغرقوا في العبودية للأهواء، أو للشهوات، أو لقوانين مصنوعة بأيدي بشر مثلهم.. ويسمونها حرية! يدعونهم لأن يُستعبدوا لهذه الأشياء ويقولوا هذه الحرية! كلام معكوس منكوس ما له حقيقة! كُنْ عبد شهوتك لأنك حُر..! حُر؟ أنا حر؟! أنا شهوتي تلعب بي وما كأنَّا آدمي وبهيمة وأخص من البهيمة.. أنا حر؟! أنا قليل حياء، أنا قليل الأدب، أنا ساقط، ما أنا حر!

هذه الحرية حقهم الحرية حقهم سقاطة، الحرية حقهم تُكذب الرسل، الحرية حقهم تفعل المحرمات، أما أمام الأنظمة حقهم لابد من احترام والتزام وإلا سجن؛ وإلا قمع لأن نظامهم هم لابد تعظمه، لكن الحرية أمام نظام ربك إلعب به، إلعب بنظام ربك هذا أنت حُر، لكن نظامهم تخالف النظام؟ تعالوا هنا القانون يحكم عليك تقول كذا وخذ الجزاء كذا وعليك كذا.. والله هذه الحرية الغريبة! هذه الحرية يعني ربك الذي خلقك لا تعترف بعلو الألوهية وربوبيتهُ ولا تخضع له، واخضع لأنظمتنا فأنت حُر!، أنت خسيس ما هو حر؛ أنت ساقط أنت هابط هذه الحرية التي يدعون إليها.

 لكن الحرية الحقيقية دعا إليها أنبياء الله بأمر الله لعباد الله: 

  • أن يتحرروا من رق الأنفس والأهواء والشهوات.
  • (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) [آل عمران:64].

(أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ..(21))، فلما أدركت سمو هذهِ الدعوة بلقيس ملكة سبأ، ورحلت من اليمن إلى فلسطين حصلت عرشها القيم في مأرب قدامها في فلسطين، لما نظرت قالوا: (أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ) [النمل:42]، ولما جاءوا عند الصرح الممرّد وظنته ماء؛ رفعت الثوب، قالوا لها: (إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ)، أيقنت أنه نفس عرشها وأنها آية من آيات الله، (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [النمل:44]، قالوا: دقة تعبيرها عرفت أن سليمان يدعو إلى حقيقة الحرية، كانت تعبد الشمس، فلم تقُل وأسلمت لسليمان، ولكن قالت: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ)، أدركت الدعوة ثم أسلمت لسليمان، لأن سليمان ما جاء لِيتأله ولا ينفرض من رأسه ولا من رأيه نظام إلا عبد من عبيد الله أتمنهُ الله واصطفاه يبلغ منهج الله، قالت: معه، نحن مسلمين لا عاد شمس ولا قمر ولا مخلوق مثلنا للخالق للجميع مع الأنبياء، دخلنا معهم بسم الله (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [النمل:44]؛ أدركت الحرية ما كانت حرة، كانت مأسورة لخيالات وعبادة الشمس، مع ما عندها من انبساط في المال وفي الفكر وفي الإدارة إدارة المملكة، كان عندها هذا؛ لكنها مأسورة مأسورة لخيال ولهوى و عبادة الشمس، لكن بدعوة النبي سلمان تحررت وصارت حُرة صحيحة (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [النمل:44]، جل جلاله وتعالى في علاه.

 (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران:64]، واحد مقنِّن وواحد مقنَّن له، ولابد يخضع له لماذا؟ ألستم تقولوا: الناس سواء، لا قال لك: واحد يقول: الرأي ولو اجتمعت الآراء، واحد يقول: عندي فيتو؛ وقِّف، هذا حرية هذا عدل هذا مساواة، ما هو هذا؟! هذا استبداد، هذا استعباد سموه نظام عالمي، وحر؛ وحر؛ كلام فارغ، استعباد بالمكشوف وسلب حقوق الناس لذا و ذاك، ولا اعتبار بالعدد الكبير ولا بغيره، ما عندك حق بالفيتو أنت، أنا آدمي مثلكم، آدمي .. إنسان مثلكم، وعندي فكر مثل فكرهم، مهما كان ما تساوي شيء، نحن آلهتكم، نحن الذي يمشي كلامنا لا كلامك؛ هذا نظامهم؛ ولا حرية إلا في نظام لا إله إلا الله، هذه الحرية هذه الحرية الصحيح دعانا إليها الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- رزقنا الله حسن الاستجابة.

(أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ) -إذا خالفتموه، إذا أشركتم به، إذا عبدتم غيره- (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21))؛ أعدهُ الله ليجمَعَ فيه الأولين والأخرين، ويجزِيَ المكلفين بما صدر منهم وما قابلوا به دعوته ودعوة أنبيائه؛ عَذَابَ عظيم، (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ)  [الفجر:25]، (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج:2]، أجِرنا اللهم من هذا العذاب، وفي هذا أيضا انذارهم لأجل خطر المستقبل الأكبر، للسلامة من الخطر الأكبر في المستقبل الأكبر، هذا على ألسن الرسل تلقّيناه، أما غيرهم ما يعرفون هذا المستقبل وهم الخاسئون فيه وهم الخاسرون فيه -والعياذ بالله-. 

لكن الأنبياء قالوا لنا مستقبلكم الكبير: 

  • يوم يجمع الله الأولين والآخرين ويحكم بين عباده. 
  • وبعده استقرار إلى الأبد إما في الجنة وإما في النار. 

هذا المستقبل الكبير، انتبه لنفسك واحذر مما يوجب سقوطك في النار وهلاكك الأبدي؛ وخذ ما يوجب سعادتك وفوزك بالنعيم الأبد، في مستقبل كبير، جاءوا اليوم وضحكوا عن الناس قالوا تضمن مستقبلك تخضع لنظامنا؛ وتأخذ ترتيباتنا من أجل نفسح لك مجال في وظيفة ولا غيرها، وتأخذ لك قليل من المال، ومستقبلك هذا هو كم؟ خمسين؛ عشر سنين؛ خمسة عشر عشرين، أقل أكثر.. من أجل ضمان المستقبل ترك كثير من الخيرات أو وقع في كثير من السيئات، وبعدين! ما طال عمره-مات- وروحوه، لا يوجد مستقبل! والذي بقي قام يستقبله؛ مستقبل غافل ومستقبل جاهل ومستقبل هموم وغموم مع كثرة أموال غير مأخوذة من محلها، ولا منفوقة في حلها ولا لأهلها، هل هذا مستقبل هذا؟ ما هو هذا؟ هذا انحراف؛ هذا زيغ؛ هذا طغيان. 

"لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ على الصراط"، يعني: ما تتحرك إما بالمشي والنجاة إلى الجنة، أو بالسقوط في جنهم، "حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ"، من أين اكتسبهُ وفيما أنفقهُ؟ فلو دخل لك ريال عليك سؤال من أين؟ وكيف أنفقته؟ قل أو كثر، "وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ"، بعد ذلك إما سقطه في النار أو إلا مرور إلى الجنة. 

فلا تزول القدم حتى تُسأل عن هذه الأربع تسأل: 

  • عن العمر: على العموم لكن على الشباب على الخصوص أيام الشباب ماذا عملت؟ أين ذهبت بقواك التي آتيناك نختبرك؟ أين صرفتها؟ في أي شيء سيرتها؟ "عن شبابه فيما أبلاه".
  • وعن علمه: ماذا عمل به وعمل فيه؟ 
  • وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ 

(إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21))، والقوم كحال أكثر بني آدم فيما يطغى عليهم من أهوائهم وشهواتهم والغرور بالمتاع الفاني، قالوا: (أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا..) تصرفنا (عَنْ آلِهَتِنَا ..(22))، يعني: عبادتها، ونحن متشبثون بهذه العبادة كذلك عبدة الدينار والدرهم، كذلك عبدة السلطات الموجودين على ظهر الأرض، كل من يدعوهم لذلك يقول: هل ستخرجنا من هذا الذي أنا ساجد له؟ ما يقبل منك، هذا الذي أنت ساجد له ما يرفعك على الحقيقة ولا ينفعك على الحقيقة، تعالى اسجد للذي يرفعك وينفعك ويسعدك وينعم عليك؛ الله. (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)  [البقرة:93]، "لِكُلِّ أُمَّةٍ عِجِلٌ وَعِجُلُ أُمَّتي الدِّيْنَارُ وَالدَّرَهُمْ"، فإذا قد شرب محبة الدينار والدرهم ومحبة السلطة؛ ما عاد يفيد تنصحه، تبين له، يسمع المواعظ. 

(أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ..(22))، آلهتكم باطل وضلال، لا تنفعكم ولا تضركم ولا ترفعكم، والذي خلقكم غيرها هي مخلوقة مثلكم، اعبدوه، أبدًا مَا نَتْرُكْ هَذِهِ الْآلِهَةَ، (..فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا..)، هات الذي تقول أن من تبع هذه الآلهة يهلك، من تبع هذه الآلهة يصيبه البلاء، (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22))، وهكذا طريقة تفكير من أغوتهم أنفسهم، يتحدون الحق، ويتحدون الهدى، ويقولون: هاتوا الذي عندكم، هاتوا هذا العذاب، خل ربك هذا يفعل به، خل ربك هذا يفعل به؛ جهل، هو بنفسه قائم على أرض يعرف أن زلزلة يسيرة لمدة ثانية تهلكه ولا يقوى على دفعها، ولكن ما كأنّ هذا معقول له أبداً، وصاعقة واحدة من فوق تجيبه تشيلُه هو وبيته وأهله في واحدة، ولكن ما كأنّ هذا معقول له أبداً؛ ومغصة في بطنه تسقطه ولكن ما كأنه يعقل هذا أبداً، وهات الذي معك ماذا معك من هذا؟ (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [هود:32] تصدق النبي وتقول من كفر يقعُ له هلاك يقعُ له نهاية، وهذا الغرور من الإنسان؛ يعجّل عليه العقوبة ويحرمهُ المثوبة، ويضاعف كروبهُ ويجعلهُ في هلاك الأبد.

(قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ ..(23))، العلم بوقت مجيء العذاب ومتى يُاخذكم ليس لي وليس من شأن النبوة والرسالة؛ (إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ)، إنما مهمتي (أُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ ..(23))، أرسلت إليكم أن لا تعبدوا إلا الله وأن تطيعوه وتتقوا معاصيه وتستعدوا بذلك للقائه؛ هذه مهمتي أبلغكم إياها، أما تحديد الأوقات متى ينزل العذاب؟ متى يحصل الهلاك؟ هذا ليس لي، والقوي الجبار الذي لا يستعجل لعجلة أحد؛ لأنه لا يفوته شيء، إنما يستعجل من يخاف الفوات أم من لا يفوته شيء ليش يستعجل؟ (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لّا يَشْعُرُونَ) [المؤمنون:55-56]، (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) [مريم:84].

يقولون: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ ..(23))، أنا نذير.. أنا رسول من عند الحق الذي خلقكم (وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23))، لا استقبلتم الرسالة بعقل وإصغاء وحسن تفكير؛ ولا رأيتم الأدلة ونظرتم فيها؛ ولا خِفتم على أنفسكم من الهول؛ وجئتم تتحدون وهذا أمر يوجب تعجيل العقاب عليكم، ما الجهالة هذه؟

(وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ  (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا ..(24)) سحاب معترض في الجو، (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا ..(24)) هو العذاب هذا الذي يسره الله لهم،  (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا ..(24)) يعني في صورة السحاب معترض في السماء، والسحاب الذي يعترض في الجو يقال له عارض وجمعه عوارض (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ) -هذا عذاب مقبل- (قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ..(24)) هذا مطر سياتي لنا نسقي منه الأرض بتجي لنا الزرع؛ (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ) -وسط ذا السحاب- (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا..(25)) تدمر هذه الريح كل شيء، أمرها الله بتدميره، بإذن ربه كل شيء، أمره بتدميره، تدمره. فدمرت قوم عاد ومساكنهم ومزارعهم، وقريب منهم النبي هود ما دمرته ولا دمرت قومه ولا جماعته فكانت ما أصابهم من الريح يمر نسيم لطيف يهبّ عليهم ولكن يصل إلى عند القوم بشكل آخر. 

  • قال كما نزل المطر في يوم بدر فكان في أماكن المؤمنين؛ (لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) [الأنفال:11] ورسّخ الأرض لهم ويثبتوا عليهم في محل المشركين صلّح زَلق وصار تعب عليهم هناك، وهو مطر واحد ولكن لا مطر ولا غير مطر يتصرف بأمره، فوق كل مُكوّن المكوِّن، فوق كل مصنوع الصانع، فوق كل مخلوق الخالق. 
  • قال هود لقومه: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [هود: 54-56]، تحت أمره جل جلاله وقهره.

 (قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ..(25)) مما أمرها الله بتدميره وهذا من جملة ما يقولون له في القرآن والسنة الغراء "عام أريد به خاص"، كل شيء مما أمرته بتدميره ما دمرت الجبال ولا دمرت الأرض كيف كل شيء كل شيء مما أمرته بتدميره هذا أمر مخصوص. 

يقول: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا تَرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ..(25))، في القراءة الأخرى: (لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ)  لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، انتهوا تقلعت الأشجار وتدكدكت في الهواء وتتساقط أجسام بني آدم بعضها البعض، وجاء رواية ابن أبي الدنيا: أن الله تعالى آمر الريح فابتدأت بما حواليهم من دواب طيرتها في الأرض وأشجار طيرتها في الهواء، وإذا بها في الهواء تتساقط فرأوا؛ عرفوا أنه عذاب، فزعوا ودخلوا بيوتهم، قفلوا بيوتهم فوجّه الله الريح فقلّعت أبواب البيوت وأمرها أن تصف عليهم الرمل فصفت عليهم الرمل وجلسوا تحت الرمل سبع ليال يئنون إلى أن ماتوا الأول والثاني كل واحد بعد الثاني يموت، وسبع ليال أمرها أن تُخرج الرمل وأجسادهم إلى البحر وخرّجتهم ما عاد باقي إلا مساكنهم، (فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ..(25)).

(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) [الحاقة:6-8]، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وهم الذين كانوا يقولون: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15] أين ذهبت قوتهم؟ هذا منطق الكثير من المغترين قبلهم وبعدهم (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15]؛ الجبار يقول: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [فصلت:15]، وبعد أن انكشفت الحقيقة للناس كلهم فالظالمون بعد هذه الحياة القصيرة في البرزخ ثم في القيامة (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) -كلها القوة لله- (وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) [البقرة:165].

قال تعالى: (كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25))، أمثال هذا فعلنا بالمجرمين قبلهم وفعلنا بالمجرمين بعدهم، فيا أمة محمد اعقلوا ما تطاول أحد منكم على الإجرام فله عاقبة وله نهاية كما نهاية المجرمين من قبل، (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا) [فاطر:43]. وهكذا أنواع الحضارات أنواع الاتجاهات أنواع السياسات تبيد واحدة بعد الثانية وتصبح عبرة وعبرة وراء عبرة وراء عبرة ولا معتبرين إلا القليل ويكررون نفس المسار ونفس الهلاك والباقي هو الباقي -جل جلاله-:

  • (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) [إبراهيم 24-25]، وأطيب الكلمات: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، حققنا اللهم بحقائقها واجعلنا من خواص أهلها عندك. 
  • (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) [إبراهيم: 26]. 

في عمرنا القصير رأينا من الأحزاب من تولى وأخذ بعض الدول وشبعنا نحن كتابات شيء على أبواب شيء في الشوارع شيء في اللوحات، "الحزب إلى الأبد"، "ولا صوت يعلو فوق الحزب"، ورأينا تكسره وتدهوره من أوله إلى آخره من أساسه ومن منابعه التي جاءت منه؛ وأصبحوا عبرة كلام فارغ، هذا شعارات بائرة ما لها حقيقة؛ زخرف القول غرور، زخرف القول غرور! 

لكن  لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! هذه الكلمة الثابتة، هذه الكلمة الدائمة، هذه الكلمة التي النهاية إليها والمرجع إليها، وأهلها لهم الجنة والمكذبون بها لهم النار، وإذا أدخلنا الله الجنة؛ وجدنا الكلمة أمامنا فوق كل باب من أبواب الجنة: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ محمد رسول الله، اسم الله ورسوله فوق الرؤوس، فَعِش في الجنة من الآن، ضعه فوق رأسك اسم الله ورسوله وامضِ حتى تدخل تلك الجنة إن شاء الله.

فيَا ربِّ ثبِّتنا على الحق والهدى ** ويا ربّ اقبضنا على خير مِلَّةِ

قال الله: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ ..(26))، في صنايع وفي قوى وفي إمكانيات وقدرات، (فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ ..(26))، يَا مَعْشَرَ قُرَيشِ وَيَا مَعْشَرَ أُمَّةِ مُحَمَّدِ، مَا مَكَنَّاهُمْ كَمَا مكنا هؤلاء ينحتون من الْجِبَالَ بِيُوتٍ، ومع التطور الآن وكسروا بعض الجبال وصلحوا أنفاق، ما صلحوا بيوت في الجبال، هذول صلحوا بيوت في الجبال، وعندهم قوة حتى جسدية قريب ستين ذراع، سبع أذرع عرض يحمل سبعين ثمانية منكم في أصبعه وسيرميهم برا هناك.

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً ..(26))، لكن طغيانهم عنادهم رضاهم أن يثستعبدوا للأهواء والشهوات (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون (26))، الذي كانوا يضحكون عليه ويستهزئون به؛ حاق عليهم وحلَّ عليهم غضب الله، ونجى الله هود، قال سبحانه وتعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) [هود 58-60]. حل بالقوم بجنبهم وهم ما عندهم شيء، ولا شيء ينالهم من هذا العذاب (وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) [هود 58]، (وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء 88]. وكذلك ننجي الرسل وأتباع الرسل، جعلنا الله وإياكم من خواصّ أتباع الرسل وسيدهم إمامنا ونبينا.. اللهم صلِّ عليه.

الحمد لله الذي شرفنا به فنتبعه، وإذا بنا اتبعناهم كلهم، وهم لو وُجِدوا ما وسعهم إلا اتباعه، فيا فوزنا بهذا النبي. املأ قلوبنا إيمانًا، املأ قلوبنا محبةً، املأ قلوبنا ولاءً، املأ قلوبنا تبعيةً لهذا المُقتدى؛ حتى نحشر في زمرته، حتى نحشر في زمرته، حتى نحشر في زمرته، حتى نسعد بمرافقته، أسعدنا اللهم بمرافقته، ولا تفرق بيننا وبينه بجاهه عندك ومنزلته لديك برحمتك يا أرحم الراحمين.

بسرّ الفاتحة

إلى حضرة النبي محمد

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

11 رَمضان 1445

تاريخ النشر الميلادي

20 مارس 2024

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام